جان جونيه..  أسطورة الفرنسي المنبوذ و العاشق الوحيد

جان جينيه (1910-1986)، الأديب الفرنسي المنبوذ، وصاحب النثر المتلألئ، واحداً المؤلفون الغربيون الذين افتتنوا بالشرق، أثناء استقراره وحين غليانه، وكتبوا عنه في كراريس رحلاتهم، واهتموا بأوضاعه وأحوال أهله .. من طنجة إلى دمشق، بدأها جنديا في الشام وأنهاها قدّيساً مغبوناً مدفونا في مقبرة إسبانية، مجاورة لسجن، مُطلّة على المحيط الأطلسي.

وثائقي “جون جنيه .. الأسير العاشق”  للفرنسية ميشال كاليري و طيلة 75 دقيقة ، فصلت مواقف جينيه إزاء العالم العربي، المتشكلة أساساً من إقامته في المغرب ورحلاته إلى المشرق، ومن هويته الاجتماعية كفرنسي مُعدم ولقيط، التي لا تدخل في دائرة الاستشراف الأدبي أو الشفقة المسيحية، التي كان بلا شك بعيدا عنها، وإنْ كانت تندرج أحيانا كثيرة في خانة الإيديولوجيا الممانعة، التي سادت في أوساط النخب الأوروبية اليسارية على زمنه، فإنّ حنقه على البورجوازية واصطفافه إلى جنب المسحوقين يبقى صدى مرتدّاً لغبنه الشخصي ومعاناته الذاتية المريرة.

لم يكن جينيه، بهذا المعنى، “ملتزما” بقضية سياسية، سواء كانت اضطهاد السود في أميركا أو تقتيل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والمخيمات أو الاستعمار ثم الديكتاتورية التي عايشها في شمال إفريقيا، بل كان يستردّ لنفسه سيادة ضائعة، في طفولة بائسة وشباب مطبوع بالتشرد والاحتجاز والضياع، من خلال انفتاح وتحالف غير مشروط مع كلّ من يذكّرونه بخسرانه ودونيّته وجوعه البدئي.

تحولت حياة جينيه إلى ظاهرة اجتماعية، إلى نوع من الخرافة، أو الأسطورة مما صعّد ردود الأفعال النقدية عليها وبخاصة في فرنسا الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. والمصادر الأساسية للمعلومات التي نشأت وتطورت في هذه الأسطورة هي سيرة جينيه الذاتية ” يوميات لص ” ورواياته الأربع. وبخاصة (سيدتنا ذات الأزهار) و (معجزة الزهرة) و (طقوس الجنازة) التي يقدم فيها نفسه راويا. وكذلك بياناته الأخيرة الشفوية والتحريرية التي أرسلها إلى الكتّاب والأصدقاء. جان كوكتو، وجان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وفيوليت ليدو، فضلا عن المقابلات التي أجريت معه في الستينيات والسبعينيات في بعض المجلات والصحف الأسبوعية. بيد أنَّ هذه المصادر لا يعوَّل على جميعها. وهناك نقاد كبار ينزعون إلى تحويل الحقائق الطبيعية في حياة جينيه إلى قصة خيالية وذلك بتأويلها في ضوء رواياته او مسرحياته. وهنا، يقتربون جزئيا من سارتر وتأويلاته الوجودية في كتابه (القديس جينيه، الممثل والشهيد ،) وهو كتاب تذكاري تجاوز 600 صفحة. حاول فيه سارتر أنْ يزودنا بوعي انطولوجي وتحليلات سايكولوجية عن جينيه ترتكز على شواهد كتاباته وهي دراسة شاملة وواضحة للغاية. ولكنها لا تتواصل للمحافظة على أسطورة جينيه حية فحسب، لكنْ لها تأثير في الصورة الذاتية وأعماله اللاحقة..

تعليقاتكم