رأي

دفاعا عن بوقرون اله الامازيغ في كل العصور

 

دفاعا عن بوقرون اله الامازيغ في كل العصور

د.مصطفى راجعي ،أستاذ علم الاجتماع الديني بجامعة مستغانم

 

أثار عرض  سلسلة “بوقرون” الذي اخرجته ريم غزالي في شهر رمضان هذه الأيام على شاشة قناة الشروق  موجة من ردود الأفعال الحادة ، فقد نظر له البعض انه أسوء دراما جزائرية تعرض في شهر رمضان في حين نظر له اخرون  كعمل ناجح جدا ودليلهم هو أن قناة mbc  اختارت أن تبثه في شهر رمضان الحالي بدون تأجيل  كما جاءت طلبات من عدة دول اجنبية لشراء المسلسل الجزائري الجديد.

وتركزت معظم الانتقادات على مكانة  حيوان الكبش الاقرن  في السلسلة كمكانة محورية و رمزية  حيث أخدت الشخصية الرئيسية في المسلسل وهي الملكة   “هيدورة” اسم جلد الكبش. وظهر للكثير من المتابعين والنقاد ان المخرجة تستخف بعقول المشاهدين وتوظف رموزا بشكل غير جاد واستغربوا اقبال شبكات تلفزيونية عربية عليه.

في الواقع ، هذا  المقال هو دفاع ا عن مسلسل بوقرون ” حيث ظهر أنه عمل خيالي فني لكنه نجح في توظيف حقائق تاريخية وانتثربولوجية عن الديانات القديمة في شمال افريقيا لايعرفها الكثيرون من الذين انتقدوا  المخرجة ريم غزالي عن جهل منهم لتاريخ الامازيغ الديني القديم في شمال افريقيا حيث احتل حيوان الكبش مكان اله يعبد ويقدس ويبجل  حق التعظيم وكان العالم كله يديره  الاله بوقرون

 

الكبش اله لدى الأمم القديمة

ليس الامازيغ وحدهم من عبد الكباش ففي كل الحضارات القديمة احتل الكبش الاقرن مكانة اله يعبد و يقدس قبل أن يتحول البشر مؤخرا فقط  لعبادة  الاله الواحد المجرد مع مجيء الديانات التوحيديية . فلقد  عبد المصريون القدامى الاله “امون” وصوروه في شكل كبش أقرن، وصور السوريون القدامى الهتهم “عشتار” في شكل كبش اقرن كما فعل الفينيقيون مع الاله بعل نفس الشيئ.

و تعكس قصة  سيدنا إبراهيم مع ابنه إسماعيل أو إسحاق حسب الموروث اليهودي أو الإسلامي  المكانة التي كانت تحتلها الكباش في الأديان السابقة على اليهودية حيث من الواضح ان ما كان يتم التضحية به تقربا للآلهة كان البشر وليس  الكباش ولهدا يعتبر مجيء اليهودية قطيعة مع التقليد الدي كان يقدس الكباش ويجعلهم محل عبادة واحترام حيث يتحول الكبش الى فدية وقربى لأله إبراهيم . ثم مع مجئ المسيحية وقعت قطيعة مع طقس التضحية بالكبش الاقرن تقربا من الاله لينهي المسيح يسوع هدا التقليد الطويل و يتحول هو نفسه الى كبش فداء للبشر حتى يمحي عنهم خطاياهم عوض ان يضحوا بأنفسهم أو يضحوا بالحيوانات. ثم مع مجيء الإسلام سيحتفظ بالتضحية بالكبش في استمراية مع التقليد اليهودي. ونلاحظ أن الادبيات الإسلامية فيها الكثير من التفاصيل عن نوع الاضحية التي يجب التقرب بها لله مما يدل على أهمية هدا الحيوان في الإسلام.

ولما انتشر الإسلام في الشرق الأوسط وشمال افريقيا لم يستطع أن يتغلب بسهولة على الأديان القديمة والمعتقدات القديمة . ففي شمال افريقيا حيث بلاد الامازيغ  وقبل مجئ الإسلام كانت عبادة الكباش تحتل مكانة أساسية ولم يستطع الفاتحون من محاربة بدعة عبادة الكباش و الكبشيين الا مع نهاية القرن التاسع الميلادي حيث استمرت القبائل الامازيغية في اظهار الاحترام و التقديس الى الكباش.

الكبش اله الامازيغ

أظهرت دراسة الباحث البولوني ليفيتسكي ( توفي 1992) عن معتقدات الامازيغ  انهم عبدوا  الكباش و احتلت مكانة مرموقة  لديهم. و رجع الباحث الى المؤرخ في العصر الوسيط “البكري” في” المسالك و الممالك ”  و المؤرخ العربي “الشماخي” في” كتاب السير”  ليجد  ادلة عن قبائل أمازيغية الى غاية القرن 9 م كانت تعبد الكباش وكانت تخفي معتقداتها مع انتشار الإسلام وكان يسمون بالكبشيين . كما وجدت في الجزائر ، في سوق أهراس هناك أثار قديمة تظهر عبادة الامازيغ للاله ” امون” الاله المصري القديم في شكل رأس كبش وبين قرنيه صورة شمس مشعة حيث كان يعتقد ان العالم تحمله قرنا كبش عظيم.

وتشهد الثقافة الشعبية الامازيغية  على   وجود بعض الطقوس والاحتفالات التي   يحتل فيها الكبش الاقرن مكانة مقدسة  كما سجلها الباحث الانثربولوجي ” ليفينسكي” في كتابه حيث  مازال الامازيغ وفي مناسبة عيد الأضحى يفضلون  التضحية بكبش اقرن . و تظهر طقوس ” بوجلود” التي تحتفي بأعضاء جسم الكبش و أجزاء أخرى منه   ان  من يلبس جلد الكبش في ذلك الطقس الاحتفالي يحظى بالحماية و القداسة.  كما أن هناك استخداما شائعا لدم الكبش  في جدار البيت ابعادا للسحر” الناتج عن العين”، كما أن وقوف الكبش على رجليه وهو يصارع الذبح ينظر له بإيجابية كفأل حسن . كماهو شائع  استخدام  حوافر الكبش للعلاج و استخدام “الهيدورة” للصلاة .   وقد يعني تقديس أجزاء الكبش ان الامازيغ الذين عبدوا الكبش صعب عليهم تقبل دعوة الإسلام للتضحية بالكباش ولهدا احتفظوا بأجزاء منه تقربا وتبركا  في البداية ثم نسوا مع مرور القرون و انتشار الإسلام واستقراراه كدين جديد أصل هده الطقوس والمعتقدات المرتبطة بالكبش الاقرن

و في الأخير يستحق  مسلسل بوقرون الإشادة وليس الانتقاد لانه استطاع أن  يوظف ببراعة و ابداع الثقافة الامازيغية القديمة في الاعمال الفنية وهذا التوظيف يمكن أن يساعد العرب المشاهدين على اكتشاف الثقافة الامازيغية كما يساعد الامازيغ  أنفسهم اليوم على فهم حاضرهم واكتشاف التنوع الديني الذي يزخرون به  مقارنة بسكان العالم العربي وفهم استمرار الماضي في حاضرهم وانهم كانوا دوما جزءا من الثقافة العالمية القديمة حيث كان الكبش الاقرن رمزا دينيا في جميع الحضارات أو ان صحت العبارة كان” بوقرون ” رمزا للعولمة منذ 20 قرنا قبل للميلاد

تعليقاتكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق