أخباررأي

الانتقال الديمقراطي في ظل غياب الأدوات السياسية… هل سيبعث الافلان الأصيل لغياب البديل

الانتقال الديمقراطي في ظل غياب الأدوات السياسية… هل سيبعث الافلان الأصيل لغياب البدي

قطع الجزائريون أشواطا كبيرة في مسار تحررهم من القوى التي جثمت على صدورهم لعقود من الزمن، وظهر من خلال المستجدات الأخيرة ان الشعب الجزائري كان يصارع قوى يجهلها ولا يعرف ابعادها وامتداداتها، غير ان لطف الله تجلى من خلال تمكين المخلصين من تبوء مناصب هامة، ورياح الوعي التي قذف بها في قلوب الجزائريين، جعله يسترجع حريته وهو اليوم يتجه الى بناء الدولة التي ضحى في سبيلها الشهداء.
ويتمسك الجزائريون اليوم بضرورة تنظيف المجال السياسي من العصب التي شوهت الساحة طيلة السنوات الفارطة، من خلال رفع شعارات تطالب برحيل كل الواجهة السياسية الحالية موالاة كانت او معارضة، طلب يبدو ان الجزائريين لن يتنازلوا عنه، في وقت تخلو فيه الساحة الوطنية من مشروع حضاري أصيل يجمع الشعب حوله، ويعمل على تحقيق مطالب الجزائريين دون الالتفاف حولها.
وتعمل العديد من الوجوه المحسوبة على المعارضة على تحييد النقاش السياسي الى هوامش أخرى بعيدا عن حقيقة الصراع القائم اليوم على اعتاب هذا الانتقال الديمقراطي، مستغلة بذلك قربها من الوسائط الإعلامية، واعتمادها أسلوب التشويش بالتجوال في ولايات الوطن الداخلية، من اجل ان تستأثر بالتميز بعد ان طحنتها سيول الجزائريين الصادقين، الذين التزموا الصمت طيلة سنوات بسبب الوباء الذي عرفه المجال السياسي.
ولان الغاية السامية هي بناء الدولة الجزائرية ذات الهوية النوفمبرية، فان المعركة مازالت طويلة وعلى الجزائريين التحلي بالحكمة وتمحيص كل العروض السياسية التي يتلقونها من مختلف الأطراف الفاعلة، ومعرفة منابعها وما تبطنه من مؤامرات، وكذا سد الفجوات امام المتسللين الذين كانوا دائما ما يختطفون ثورات الجزائريين فور انتهائها .

غياب البديل في ظل معارضة مزيفة وموالاة فاقدة للمصداقية

من أسباب نجاح الحراك الجزائري هو عفويته وبعده عن الاستغلال السياسي، وهذا مؤشر على افلاس المعارضة السياسية في الجزائر، اذ فشلت في تجميع الجزائريين حول قضاياهم الحقيقية والمصيرية، وسبب ذلك يعود الى ان أحزاب المعارضة انقسمت على بعضها لتتوالد الى عشرات الاحزاب، بعضها أصبح بوقا للنظام، وبعضها تحول الى سجلات تجارية، والجزء الأكبر منها تحالف مع قوى خفية وسقط حتى في بئر الخيانة لعناصر خارجية.
الى جانب ذلك بلغ سخط الجزائريين من أحزاب الموالاة مستويات عليا، إذ تتحمل هذه الأحزاب جزءا كبيرا من المسؤولية لما وصلت اليه البلاد خلال السنوات الفارطة، فقد زكت كل خطوات هدم مؤسسات الدولة، وطغت في ممارساتها المشينة، بعد تحولها الى أوكار للمسبوقين قضائيا وأصحاب المال الفاسد، مما جعل صورتها تصبح سوداء في أعين الجزائريين.
وفي ظل هذا الوضع لا يملك الجزائريون أدوات سياسية يعملون من خلالها على تحقيق طموحاتهم، مكتفين بالمطالبة وهو ما لا يمكن عمليا تحقيقه اذ ان المؤسسات السياسية التي يعاد بناؤها ستعتمد لها محالة على المنتوج الحزبي المتوفر في الساحة، ولا يمكن لمؤسسة الجيش التي دفعت الى التغيير ووعدت بالوقوف الى جانب الشعب التدخل المباشر في المجال السياسي.
لهذا من الواجب استغلال هذه المحطة التي كما اسماها المفكر مالك بن نبي بـ”ميلاد المجتمع” من اجل الالتفاف حول مشروع حضاري يجسد البعد التاريخي للجزائر ويحمل نظرة مستقبلية للجزائر بعيدا عن عصر الظلام السياسي والايديولوجي الذي عاشته خلال عقود، مشروع يحميها من متاهات القوى الخفية المتربصة وطموحات المغامرين الفاقدين للنظرة والتجربة.

الافلأن بين دعاة المتحف وإعادة البعث

يعيش حزب جبهة التحرير الوطني أسوا مراحله، بعد ان وقعت عليه مسؤولية كبيرة في الوصول بحال البلاد الى ما الت اليه اليوم، وتجسد ذلك في رفع شعارات منددة بالحزب في الحراك الشعبي، وان كانت تعبر عن مواقف سياسية بريئة للجزائريين، فإنها في كثير من الأحيان مقصودة وتستهدف رمزية الحزب، من أجل طمس أحد المراجع التاريخية للجزائريين.
ويعاني الأفلان منذ سنوات من عدة أزمات، شوهت سمعته وجعلته محل سخط ونفور من مختلف الأوساط الشعبية، هذا الوضع لا يعني الأفلان الحركة الثورية التاريخية، لأنها مقدسة تعلو فوق كل تشويه، وإنما نقصد بالأفلان الحزب السياسي المتواجد كمنافس لباقي التشكيلات السياسية الناشطة في الجزائر.
ومن بين النقائص التي يعاني منها الأفلان ضعف خطابه السياسي، الذي حاد عن الطريق الصحيح نتيجة رعونة وسوء تقدير القيادات التي تولت شؤونه، فتنوع الخطاب بين التهجم والسخرية، والتسويق السياسي الفارغ، بعيدا عن معالجة القضايا الأساسية للأمة، والاقتراب من مشاكل المواطن الجزائري وانشغالاته.
ولأن الأفلان هو الحاضنة الأساسية للجزائريين، والتي تجمع بين الخطين الوطني والاجتماعي، اللذان يتماهيان مع الشخصية الوطنية، ترك انحطاط الخطاب السياسي وخواؤه، الجزائريين يبتعدون عن الانخراط في صفوفه، إلى درجة أصبح الأفلان بما يزخر من طاقات وكفاءات، يقبل بين صفوفه قيادات أحزاب أخرى، لا تربطها أي صلة بمقومات الحزب ومبادئه .
وتشوهت الثقافة النضالية في صفوف حزب جبهة التحرير الوطني، جعلته يفقد رمزيته لدى عامة الشعب الجزائري، فالوصولية والزبائنية، والولاء للشخص “الزعيم”، أمراض ما فتئت ترهق كاهله، فلا صوت يعلو فوق أصوات المدح والتمجيد إن كان في القائد فائدة شخصية، يقابله ذم وقدح إن كان القائد لا يخدم أهواء الطامعين الطامحين .
إن الأفلان باعتباره مؤسسة سياسية مهامها الأساسية إنتاج أفكار جديدة وفق خطه السياسي الوطني، يتم من خلالها معالجة المشاكل التي تعيشها البلاد، يعاني خللا في أداء هذه الوظيفة، لان طغيان الصراعات الشخصية أدى إلى تآكل المخزون البشري المساهم في إنتاج هذه الأفكار، فكلما ذهب أمين عام، إلا وانصرف معه مؤيدوه ومناصروه.
والمطلوب اليوم هو فتح ورشة كبيرة يشارك فيها المناضلون الحقيقيون الذين يؤمنون بعقيدة نوفمبر، في فضاء يمكنهم من تقديم آرائهم وأطروحاتهم حول ما يعانيه الحزب، والحلول التي يرونها كفيلة بإخراجه من هذا الوضع، دون التوقف على عقد الاجتماعات وإصدار البيانات الفارغة وتقديم الولاءات لقوى السلطة، على أنه الوصفة السحرية التي ستنقذ الأفلان من حالة الضياع التي يعيشها .
فعملية إصلاح وإعادة بناء الحزب تقتضي جرأة سياسية واستيعاب لمواطن الخلل، وتجاوز اعتبار الافلان على انه مطية لتحقيق طموحات شخصية والتعبير عن انتقامات بين مختلف الوجوه التي تتكلم باسمه، ويتوجب إعادة الاعتبار للإطارات والمناضلين الذين كانوا ضحية مواقفهم السياسية في مختلف المحطات التي عرفتها الجزائر في العقود الأخيرة .

تعليقاتكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق