أخبار رأي

هل عودة الجزائر كقوة صاعدة سيعيد للمنطقة توازنها المفقود؟

الأستاذ حدي الكنتاوي

بقلم:الأستاذ حدي الكنتاوي

إذا كانت هناك جنة استخلفها الخالق في الأرض لتتمثل في أحسن ما ابدع، فهي القارة الجزائر، نعم تمتلك الجزائر كل المقومات لتاخذ مكانتها بين الامم، رائدة في شتى المجالات، فهي الجغرافيا الممتدة على اكثر من مليونين كلم، من البحر وسواحله الجميلة، مرورا بسهوبها الخلابة إلى صحرائها الساحرة، فالبلد ليست غنية فقط بجمالها الطبيعي الأخاذ، ولكن أيضا بتاريخها المتنوع العريق وفيسفساء ديمغرافيتها المنسجمة، نعم انا اتحدث عن الجزائر التي دائما هي على موعد مع التاريخ وصنع المعجزات عبر الزمن، منذ العصور الأولى، حيث اثبتت الاكتشافات الأثرية على أن الجزائر ثاني بلد بعد إثيوبيا مهدا للبشرية، وهو ما يعزز عراقة هذه الأمة الضاربة في جذور التاريخ…

الجزائر اليوم تملك ثروة بشرية نوعية، قادرة على النهوض بها إلى مصاف الأمم المتقدمة وثروة اقتصادية هائلة، يكفيها فقط ما فوق الأرض من إمكانيات وخيرات، دون الحديث عن باطنها الذي جعلها محط أنظار كل الطامعين في إعادة الاستعمار الذي اخرج بالأمس صاغرا مرغما، مطاطا الرأس يمني النفس بالعودة يوما ما إلى الأرض التي لم يهضم بعد كيف انتصر شعبها على مغتصيبها الفرنسيين، الذين لم يستوعبوا ان فرنسا ما وراء البحر كما يحلوا لهم تسمية الجزائر، هي أكبر كذبة يرفضها التاريخ قبل الجغرافيا…

فاليوم كما بالأمس يجدد الجزائريون العهد مع التاريخ منذ العهد القرطاجي الروماني إلى الثورة الاعظم في القرن التاسع عشر، غير أن النخب الجزائرية الوطنية المخلصة أظهرت مستوى علو كعبها في إدارة مختلف المراحل الصعبة في التاريخ الحديث، كما استبسل وابدع الإنسان الجزائري إبان ثورة التحرير المباركة، ليدخل البلد تحدي ما بعد الاستقلال من خلال ثورة بناء الدولة، بعد استعمار مدمر استمر قرن و32 سنة، وهو الرهان الذي كسبه الجزائريون مرة أخرى، وكان قدر الاجيال الجزائرية ان تخوض حروب مختلفة، بمعادلة متغيراتها أدوات وظروف الصراع، والثابت الوحيد فيها الانتصارات في النهاية.

فرنسا ورقصة الديك المذبوح…

تعارك فرنسا الزمن، لتحافظ على ما تراه بهوها الخلفي الاستراتيجي معتقدة انها اللاعب الوحيد في المنطقة، غير أن عقدة فرنسا التي لم تستطع ان تتحرر منها، ان الجزائر لها ثقل يصعب على الدول الكبرى المتسابقة للظفر بنفوذ في المنطقة تجاوزه، فباريس لا تريد ان ترى الجزائر قوية تتبوأ موقعها الطبيعي بين الأمم لسبب بسيط، ان جزائر قوية يعني فرنسا ضعيفة في المنطقة والعكس صحيح، وهو المبدأ المقدس في السياسة الفرنسية، حيث ان المتتبع للتطورات الإقليمية سيلاحظ دور فرنسا المشبوه في كل ما له علاقة بالمجال الحيوي او مصالح الجزائر الاستراتيجية في المنطقة، فدورها المعطل لتمكين الشعب الصحراوي من حقه في الحرية والاستقلال، رافق النضال الوطني في الصحراء الغربية منذ بدايات الثورة هناك، إلى ما تلعبه من دعم خفي للجماعات المتمردة والارهابية عن طريق وكيلها في المنطقة، النظام المخزني المغربي في زعزعة امن واستقرار مالي المحاذية للحدود الجزائرية الجنوبية، وصولا إلى ترنحها بين الأطراف الليبية المتناحرة على السلطة في بلد ممزقة، اصبحت ساحة صراع لعدة أطراف دولية.

فما يجرى في ليبيا من كر وفر بين العملية السياسية والعسكرية ومن تسارع وتيرة الصراع بين مختلف القوى الدولية المتواجدة بالمال والسلاح بايادي ليبية محلية، يعقد المشهد اكثر ويعزز فرضية ان لا طرف يمكنه حسم المعركة العسكرية لصالحه، فالمشهد اليوم يعري سياسة فرنسا التي راهنت على الجواد الخاسر، لتحاول لملمة هزائم حفتر وتخفيف الخسائر، بعد الدعم السخي السياسي والعسكري الذي قدمته له مع أطراف دولية أخرى تحارب بالوكالة في ليبيا، لتسباق الزمن لترميم العلاقة مع الأطراف الليبية الأخرى المنتصرة مؤخرا، حتى لا تخرج بخفي حنين من تقاسم الكعكة الليبية.

بعكس الجزائر المنسجمة مع خطابها منذ بداية الازمة في محاولة لحلحة الأوضاع لما يخدم مصلحة الليبين أنفسهم وهو ما أهلها لتلعب الدور الايجابي، لبعدها نفس المسافة عن جميع الأطراف المحلية المتقاتلة.

فالدور الجزائري المؤثر في المشهد الليبي وعلاقتها الممتدة افقيا وعموديا مع عديد الأطراف ميدانيا، مزعج لفرنسا فكانت ارهاصات رفض تلك الأطراف الدولية المتقاتلة للدور الجزائري الايجابي، منعكسا في الحملة الشرسة التي شنتها في مجلس الأمن على مقترح الأمين العام للمبعوث الأممي إلى ليبيا الدبلوماسي الجزائري الرفيع رمطان لعمارة، لما يمثله من مصداقية على الساحة الدولية والافريقية والليبية، غير أن الرياح تجري بما لا تشتهي سفن تلك الدول، فمحاولة فرنسا الإنفراد بالدور المحوري في المشهد الليبي من خلال تعيين مبعوث اممي يخدم مصالحها، اصطدم ببداية تراجع مليشيات حفتر في الغرب الليبي المتزامن في نفس التوقيت مع اعلان رفض لعمامرة كمبعوث ليس صدفة!، حيث قال الرئيس الجزائري في اخر مقابلة له مع الصحافة المحلية شهر ماي المنصرم، كنا قاب قوسين او ادنى من اجاد تسوية في ليبيا لكن اطرافا دولية لم يسميها، لم تسمح للمساعي الجزائرية بالنجاح لسبب انها لا تريد للدبوماسية الجزائرية ان تعود الى عهد البروز والنجاح.

فرنسا والجزائر ابتزاز لا ينتهي على الحدود….

تشهد الجزائر تحولات عميقة في شتى المجالات الاقتصادية، السياسية والاجتماعية، وبعدما افشل الجزائريون كل المخططات الرامية إلى ضرب استقرار وأمن الجزائر من الداخل بتفطنهم لكل ما يحاك ضدهم من قوة الشر الخارجية كما ذكر قائد الجيش في عدة خطابات، يجمع الجزائريون على ان الخارجية والدفاع من الثوابت الوطنية الغير مطروحة للنقاش، ففي تصريح للبرلمانيين الجزائريين اكد وزير الخارجية الجزائري، صبري بوقادوم على ان السياسية الخارجية للدولة من الثوابت التي تشكل اجماعا وطنيا حولها، مركزة في المستقبل على ثلاث مبادئ او منطلقات، الأمن، التنمية والمصالح الاقتصادية، وهو ما سيجعل منها اكثر ديناميكية، فالجزائر فتحت وكالة للتعاون الدولي من اجل التضامن والتنمية في 12 فبراير 2020، لمرافقة الدبلوماسية الجزائرية في عملها الخارجي، ليكون للجزائر حضورا دوليا اكثر زخما وتأثيرا.

تحاول فرنسا محاصرة الجزائر في الزاوية من خلال اشعال حدودها بالازمات والحروب وتطويقها بالقواعد العسكرية الفرنسية على طول الحدود في سياسة لاستنزاف مقدراتها المالية والعسكرية وانهاكها، فمبرر التدخل في مالي، محاربة الجمعات الارهابية حق اريد به باطل، فسياستها على المدى المنظور والاستراتيجي بناء قواعد عسكرية لحماية مصالحها في المنطقة وهو نفس المبرر لما تفعله في ليبيا، هذه الدول لها حدود شاسعة مع الجزائر والتي تعتبر مناطق رخوة يصعب مراقبتها.

اما الحدود الملتهبة منذ الاستقلال والتي كان الجيش الجزائري في وضعية تأهب دائما هي الجهة الغربية، لوقف الاطماع التوسعية للنظام المغربي بعد حرب الرمال 1963، الطامع للتوسع شرقا حتى ولو كلفها ذلك التحالف مع الشيطان، اذ شهدت السنوات الاخيرة تعاون مكثف بين المغرب واسرائيل عسكريا وزراعيا بينما تعتبر فرنسا الحظوة، والتي تتعامل مع المغرب كمحمية فرنسية، مستبيحة التراب المغربي والمريب ان تبث قناة فرنسية عمومية شريط في القناة الخامسة شهر ماي المنصرم، يتهجم على مؤسسة الجيش، بالتزامن مع الاعلان عن بناء القاعدة الجوية المغربية الفرنسية بجرادة بتاريخ، 11ماي2020 التي تبعد بـ 50 كلم عن الحدود الجزائرية، لتمكن فرنسا من مراقبة التحركات الجزائرية عن قرب وحماية مصالحها الجيواستراتجية من مضيق جبل طارق الممر المائي الاستراتيجي العالمي الاقرب للجزائر، حيث ترى فرنسا وحلفائها ان القوة العسكرية المتنامية للجزائر، اصبحت تشكل خطر حقيقا على البحر الابيض المتوسط، بعد شرائها لقواصات روسية حديثة، وصورايخ ال إ س 400 بعد تصريحات اسبانية باعاز من فرنسا بمقاضاة سونطراك حول الغاز الجزائري، وسحبها لصفقات بين البلدين اذا لم تخفض السعر الى ما بين 01 و 03 دولار امريكي، وهو الشيء نفسه مع لبنان حيث استعملت فرنسا نفوذها لسحب عقود لسونطراك مع الحكومة اللبنانية، كلها محاولات للي ذراع الجزائر بعد ما رفضت الجزائر تمكين نفطال الفرنسية من شراء اصول شركة انادركو الامريكية التي كانت تعمل في حقول للغاز والنفط جنوب البلاد عن طريق حق الشفعة.

 

الجيش الجزائري والدستور…قفزة الى الامام ام الى المجهول؟!..

 

تشهد النخب الجزائرية نقاشا مستفيضا هذه الايام حول مشروع الدستور وما يرافقه من تحولات وخاصة المادة 91 المتعلقة بصلاحيات رئيس الجمهورية التي تخوله ارسال وحدات من الجيش الجزائري لتنفيذ عمليات خارج الحدود، فبين من يتخوف من الخطوة ويعتبرها جر للجزائر الى صراعات المنطقة لتحارب بالوكالة عن الاطراف الدولية والتي تريد أن تبحث عن من يلعب لها الدور، لتدفع البلد تكلفتها المالية والبشرية، وتستفيد هي من نتائجها.

اما الفريق الثاني يرى ان السياسة الدولية قد تغيرت واصبح من الضروري كما أنه من الصعب في خضم لعبة الشطرنج بين الكبار ان تحافظ على الامن القومي للدول الذي يبدا من وراء حدود العدو في معادلة التحولات الدولية اليوم، فالجيش الجزائري لم يشارك خارج الحدود في اي عملية منذ الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1973م.

ففي الوقت الذي كانت فيه الاحزاب السياسية تتفاعل في المشهد الجزائري خلا 20 سنة الماضية، انكفأت المؤسسة العسكرية على بناء ذاتها، بعد خروجها من محاربة الإرهاب منتصرة وأكثر ثقة في نفسها، لتتفرق لبناء جيش احترافي جاهز ومتطور قادر على فرض هيبته في مصاف الجيوش المحترفة عدة وعتادا.

فالجيش الجزائري حسب اخر احصائيات لمعهد غلوبل فاير باور في دراسة له 2020 احتل، المركز 28 عالميا، الثالث عربيا والثاني افريقيا والاول مغاربيا، فهي معطيات تؤهله ليلعب الدور المحوري في المنطقة وحماية مصالح الجزائر الجيواستراتجية وجعلها رقم مهم فاعل في الاحداث الدولية بدلا من الاكتفاء بدور المتفرج كما كان طيلة السنوات الماضية، فالامن الداخلي مرتبطا بمدى التأثير الخارجي، انطلقا من مبدأ خير وسيلة للدفاع الهجوم.

وفي الاخير، كل المعطيات والأرقام تشير إلى أن الجزائر خرجت من النفق المظلم بأقل الأضرار، بل فاجأت الحلفاء قبل الأعداء بعودتها بسرعة وبذكاء وباكثر قوة إلى المسرح الإقليمي والدولي معيدة للمنطقة توازنها الاستراتيجي المفقود.

 

تعليقاتكم

مقالات ذات صلة

 تسريب لأويحي يعترف بالفساد المالي والأخلاقي ويهاجم الأفلان

بيازيد سالم

بن فليس يسحب استمارات الترشح للرئاسيات

بيازيد سالم

زملاء الطبيبة المتوفاة في البرج ينظمون وقفة إحتجاجية في المستشفى و يطالبون لرحيل المدير